محمد بن علي الشوكاني
499
الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني
وإذا ما بلغت أمر هاتين اللذتين نجد حساسة اللذة الواحدة ، ورفعة الثانية ، ولو في هذا العالم ، وذلك أن نجد أكثر الناس يحملون أنفسهم وأجسامهم من الشقاء والتعب ، ما لا مزيد عليه ، كي ينال رفعة أو يعظمه الناس ، وهذه اللذة ليست لذة طعام أو شراب ، وكذلك كثير من الناس ، يؤثر الانتقام من عدوه على كثير من لذات الجسم ، وكثير من الناس يتجنب أعظم ما يكون من اللذات الجسمانية ، خشية أن يناله في ذلك جزاء أو حشمة من الناس . فإذا كانت حالتنا في هذا العالم الجسماني هكذا ، فناهيك بالعالم النفساني ، وهو العالم المستقل الذي تعقل أنفسنا من الباري فيه مثل ما تعقل الأجرام العلوية ، أو أكثر ، فإن تلك اللذة لا تتجزأ ، ولا تتصف ، ولا يوجد مثل تمثل تلك اللذة ، بل كما قال النبي داود متعجبا من عظمته : ما أكثر وما أجزل خيرك الذي خبأته للصالحين الطائعين لأمرك ، وهكذا قال العلماء : العالم المستقبل ليس فيه لا أكل ، ولا شرب ، ولا غسل ولا دهن ولا نكاح ، بل الصالحون باقون فيه ، ويستلذون من نور الله تعالى ، يريدون بذلك أن تلك الأنفس تستلذ بما تعقل من الباري بما تستلذ سائر طبقات الملائكة بما عقلوا من وجوده - سبحانه - . فالسعادة والغاية القصوى هي الوصول إلى هذا الملأ الأعلى . والحصول في هذا الحد . هو بقاء النفس كما وصفنا إلى ما لا نهاية له ، ببقاء الباري - جل اسمه - ، وهذا هو الخير العظيم الذي لا خير يقاس به ، ولا لذة يمثل بها ، وكيف [ تمثل ] ( 1 ) الدائم بما لا نهاية له بالشيء المنقطع ، وهو قوله تعالى في نص التوراة : " لكي يطيب لك في العالم الذي كله طيب ، ويطيل أيامك في العلم الذي كله طائل ، والشقاوة الكاملة هو انقطاع النفس وأن لا تحصل باقية ، وهو القطع المذكور ( 1 ) في التوراة كما بين " . وقال : " انقطاعا ينقطع من هذا العالم ، وينقطع من العالم المستقبل .
--> ( 1 ) كذا في المخطوط والفصيح ( يمثل ) بالياء التحتية .